صحيفة الغد الأردنية سامر خير أحمد
تشي ردة فعل الصين على طلب مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية، القبض على الرئيس السوداني عمر البشير لتهم تتعلق بالأحداث في إقليم دارفور، بإدراك الصين العميق لكون محاولات إعاقة الاستقرار في دارفور، التي تجري على قدم وساق باسم "المجتمع الدولي" و"العدالة الدولية"، إنما تستهدفها هي في الحقيقة، أي تستهدف نموها وتقدمها وتحولها إلى قطب عالمي مؤثر. فالصين التي تعمل جاهدة على حل الأزمة في دارفور، من خلال الاتصال بأطراف النزاع سعياً لإقناعها بالتفاوض والتوصل إلى حل سلمي، وكذلك الاتصال بدول القرار في العالم لإقناعها باعتماد الحل السياسي للأزمة، رأت في طلب المدعي العام، لويس مورينو أوكامبو، أمراً معطلاً لانتشار قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام في دارفور، ومعيقاً لاستئناف المفاوضات السياسية حول الإقليم، بحسب تصريح رسمي للمبعوث الصيني إلى إقليم دارفور، ليو جوي جين، ما يعني بالتالي تعطيل الاستثمارات الصينية في الإقليم السوداني الغني بالنفط، الذي بات يمثل أحد المصادر التي تطمح الصين بإعدادها لتلبية احتياجاتها المستقبلية من الطاقة. القصة، إذاً، على علاقة مباشرة بالتنافس بين الدول الكبرى، وبمساعي الولايات المتحدة ودول غربية أخرى لإعاقة نهضة الصين وتقدمها، وذلك من خلال الضغط عليها بواسطة العامل النفطي، الذي يمثل توفره اليوم بالنسبة للصين، أول مقومات استمرار نموها، بخاصة أن دراسات أشارت إلى أن الصين ستستورد بحلول العام 2010، ما نسبته 65 بالمئة من احتياجاتها النفطية من الخارج، وسيكون الشرق الأوسط مصدراً لـ 70 بالمئة من هذه المستوردات، علماً بأن الصين استهلكت أكثر من 350 طن من النفط خلال العام الماضي 2007، بحسب دراسة نشرها معهد الطاقة التابع للجنة الدولة للتنمية والإصلاح، الصينية الحكومية. ومعنى هذا، أن السودان ونظامه ورئيسه ليسوا سوى "شوكة" تريد القوى الكبرى أن تنغز بها جسد التنين الصيني المنطلق من قمقمه، وأن الخوف على حقوق الإنسان في دارفور، وعلى تحقيق العدالة ومعاقبة الضالعين بالجرائم المفترضة في هذا الإقليم السوداني، ليس سوى واجهة ملونة للحقيقة السوداء التي تمثل سبب كل تحرك في منطقتنا بخاصة، والعالم بشكل عام. إن هذا الذي يجري اليوم بوضوح فيما يتعلق بالسودان، يفضح السبب الحقيقي لكل الحروب التي استهدفت السيطرة على النفط في العراق، وقبله في وسط آسيا. فالحروب التي تم خوضها بحجة القضاء على الإرهاب، وسميت "حروباً استباقية"، ليست في الحقيقة سوى حروب استباقية على النمو الصيني، همّها منع النفط عن الصين، وتعطيل فرص نموها وتقدمها لأكثر من مدى محدد "معقول" لم تتجاوزه بعد، فلو تُركت للصين حرية الوصول إلى الطاقة، فإنها ستتحول دون ريب خلال السنوات العشرين القادمة، على أبعد تقدير، إلى قوة عالمية يصعب التصدي لها. علينا هنا، أن ننتقد كثيراً من التفسيرات التي شاعت لأسباب حرب العراق، على وجه الخصوص، والتي كانت تُرجع اندلاع الحرب لولع بوش وديك تشيني بالنفط والمال تارة، ولأيديولوجية المحافظين الجدد تارة أخرى، فالحقيقة التي يجب قولها، للتاريخ، أن الإدارة الأميركية، أياً كان على رأسها، إنما تعمل في إطار تخطيط استراتيجي بعيد المدى، همّه الحفاظ على "الإمبراطورية الأميركية"، وضمان تفوقها العالمي، عبر "استباق" القوى الصاعدة ومنعها من تهديد هذه الإمبراطورية، أو حتى منافستها. الصين، إذاً، هي كلمة السر في الأحداث الكبرى التي تجري في العالم، وعلى وجه الخصوص تلك التي تُشعل الولايات المتحدة فتيلها، وتُقدم في سبيلها الآلاف من أبنائها قتلى وجرحى. يبقى أن نتساءل حول تورط المنظمات والهيئات التي يُفترض أنها "دولية"، في هذه الحروب الاستباقية، ما يعني انحيازها لجانب ضد آخر، وأنها في حقيقتها ليست سوى هيئات غربية، وتلك على أية حال قصة أخرى. بعض المنظمات "الدولية" المشتغلة بحقوق الإنسان، تفسر "حقوق الإنسان" بما ينسجم ليس فقط مع القيم الغربية، بل أيضاً مع المصالح الغربية، والسياسة الغربية، فتتحول جندياً في الحروب الاستباقية التي تخوضها القوى الكبرى للحفاظ على سيطرتها على العالم، كما قلنا في المقال السابق، متّخذين من توجهات المحكمة الجنائية الدولية تجاه الرئيس السوداني، دليلاً على ذلك، باعتبارها تستهدف في حقيقتها منع الاستقرار في دارفور، ومن ثم إعاقة الاستثمارات النفطية الصينية في غرب السودان. يستدعي ذلك من بعض تلك المنظمات، أن تتخذ مواقف سياسية منحازة ضد كل من يعارض تلك المصالح الغربية، أو لا يتماشى معها، وإلا كيف نفسر، على سبيل المثال لا الحصر، ذلك الموقف المنحاز ضد الحكومة السودانية، الذي اتخذه عدد من تلك المنظمات، والمؤيد لحركة العدل والمساواة المعارضة، التي حاولت تنفيذ ما يشبه الانقلاب والاستيلاء على السلطة في الخرطوم، حين هاجمت قواتها العاصمة السودانية يوم العاشر من أيار/ مايو الماضي؟ ذلك الانحياز الذي يصور الحكومة السودانية على أنها مناهضة لحقوق الإنسان بالضرورة، مقابل تبييض ممارسات حركة العدل والمساواة، وسواها من حركات المعارضة السودانية، وتصوير سلوكها باعتباره مطابقاً لمفاهيم حقوق الإنسان، لا يعني إلا أن تلك المنظمات "الدولية" إنما تستغل نُبل مبادئ حقوق الإنسان، التي يٌفترض أنها باتت إرثاً عالمياً، من أجل خدمة المصالح الغربية، التي تتمثل في الحالة السودانية بشيطنة نظام عمر البشير بسبب اقترابه من الصين، وإتاحته المجال أمامها للاستفادة من نفط دارفور، باستثمارات تتجاوز قيمتها ستة مليارات دولار، بحسب تصريح لوزير المالية السوداني، مقابل صفقات تنموية تنفذها الصين في السودان، شملت قطاعات صناعية وزراعية وخدمية ومشاريع للبنى التحتية، بقيمة تزيد عن 350 مليون دولار، حتى نهاية العام الماضي 2007. من أمثلة هذا الانحياز إلى جانب المعارضة السودانية، ضد حكومة عمر البشير المقربة من الصين، نستعرض هنا مواقف لأكبر منظمتين عالميتين لحقوق الإنسان، هما منظمة العفو الدولية "أمنستي"، ومنظمة هيومن رايتس ووتش الأميركية: بتاريخ 12 أيار/ مايو 2008، أي بعد يومين من هجمة حركة العدل والمساواة الانقلابية على الخرطوم، أصدرت "هيومن رايتس ووتش" بياناً من نيويورك، عبّرت فيه عن "قلقها" جراء قيام الحكومة السودانية باعتقال نحو مئة شخص من الموالين للحركة، معتبرة أن الحكومة "تعتقل بشكل منهجي الموالين للمتمردين أو المعارضة في الخرطوم". بتاريخ 17 حزيران/ يونيو 2008، أصدرت "هيومن رايتس ووتش" تقريراً بعنوان "حملة الخرطوم: الاعتقالات الجماعية والتعذيب والاختفاءات منذ هجمة 10 أيار/ مايو"، استعرض في 28 صفحة ما أسمته المنظمة "قمع الحكومة السودانية في الخرطوم لجماعة متمردين من دارفور هي حركة العدالة والمساواة"، وكأن الملطوب من الحكومة أن تتيح للمتمردين الاستيلاء على السلطة، باعتبار ذلك متماشياً مع حقوق الإنسان! بتاريخ 25 حزيران/ يونيو 2008، أصدرت المنظمة نفسها، بياناً حول المحاكمات التي بدأتها الحكومة السودانية لـ36 شخصاً متهمين بالمشاركة في هجوم 10 أيار/ مايو، والقيام بعمليات سطو مسلح على السكان، قائلة إن تلك المحاكم "لا تفي بالحد الأدنى من المعايير الدولية للمحاكمة العادلة". أما منظمة العفو الدولية، وبرغم أنها بدت أقل اندفاعاً من المنظمة الأخرى، فقد أصدرت بتاريخ 27 شباط/ فبراير 2007، بياناً أيدت فيه طلب نائب عام المحكمة الجنائية الدولية، استدعاء شخصين مقربين من الحكومة السودانية، تتهمها المحكمة بارتكاب "جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في دارفور" مطالبة إياه يومها، باستصدار "طلبات حضور أو مذكرات توقيف أخرى بأسرع وقت ممكن"، وكانت تقصد بذلك كبار المسؤولين السودانيين، ويبدو أن النائب العام قد استجاب لتلك الطلبات أخيراً!
هذه مجرد أمثلة قليلة من سيل كبير من الدلائل على استغلال مبادئ حقوق الإنسان النبيلة، في الاصطفافات السياسية الدولية. على أن ما يجب قوله، ختاماً، إننا لا يجوز أن ندافع عن انتهاك حقوق الإنسان، بغرض الانحياز السياسي سواء لصالح أنظمة عربية أو قوى دولية صاعدة قد تعادي الغرب مستقبلاً، وإلا لصار موقفنا مشابه لمواقف المنظمات الحقوقية "الدولية" التي ننتقدها. علينا أن نعارض كل انتهاك لحقوق الإنسان، أياً كان مرتبكه، تماماً كما نعارض توظيف تلك الحقوق في الصراعات السياسية والحضارية الكبرى.
|